هاشم معروف الحسني
165
سيرة المصطفى ( ص ) ( نظرة جديدة )
الخلاف وشاع ذلك حتى بلغ المهاجرين في الحبشة ، فقالوا : ما دام الأمر كذلك فلنعد إلى بلدنا لكي نعيش فيها مع أهلنا وبين عشائرنا ، فخرجوا من الحبشة متجهين إلى مكة ، وقبل ان يصلوها لقيهم وفد من كنانة فسألوا عن حقيقة الأمر فقالوا لهم : ان النبي ذكر آلهتهم بخير فتابعوه ، ثم تراجع وعاد لشتمها فعادوا كما كانوا ولا تزال الحالة متأزمة بين الطرفين أشد مما كانت عليه أولا ، فحار المسلمون في امرهم فدخل منهم جماعة إلى مكة وتخلف آخرون . ويدعي من أثبت حديث الغرانيق ان النبي ( ص ) قد تراجع عن مهادنته لهم لسببين . الأول منهما انه قد شق عليه قول قريش اما إذا جعلت لآلهتنا نصيبا فنحن معك . والثاني منهما ، انه جلس في بيته فلما امسى أتاه جبريل فعرض عليه النبي سورة النجم ، فقال له : أو جئتك بهاتين الكلمتين يشير بذلك إلى تلك الغرانيق العلا وان شفاعتهن لترتجى ، فقال له النبي ( ص ) لقد قلت على اللّه ما لم يقل : فأوحى اللّه إليه . وَإِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنا غَيْرَهُ وَإِذاً لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا ، وَلَوْ لا أَنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلًا ، إِذاً لَأَذَقْناكَ ضِعْفَ الْحَياةِ وَضِعْفَ الْمَماتِ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنا نَصِيراً . ولذلك عاد يذكر آلهتهم بالشر ويسبهم ، وعادت قريش إلى مناوءته وايذاء أصحابه ، بهذا التسلسل البعيد عن منطق الدين والعقل والقرآن . أثبت جماعة من المؤرخين والمفسرين وكتاب السيرة قصة الغرانيق ، وبنوا على أساسها رجوع المسلمين من الحبشة وعودتهم إليها . وأيد المستشرق ( سير وليم موير ) أسطورة الغرانيق بما حاصله ان المسلمين الذين هاجروا إلى الحبشة لم تمض على هجرتهم إليها غير ثلاثة اشهر اجارهم النجاشي خلالها وأحسن جوارهم ، فلو لم يكن قد ترامى إليهم خبر الصلح بين محمد وقريش لما دفعهم دافع إلى الرجوع حرصا على الاتصال